الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
610
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
المرتفعة لا خفاء فيه إلا على ملحد أعمى البصيرة ، فالمدينة أرفع المدن ، والمسجد أرفع المساجد والبقعة أرفع البقع ، قضية معلومة وحجة ظاهرة موجودة . انتهى . وقال الخطابي : المراد من هذا الحديث الترغيب في سكنى المدينة ، وأن من لازم ذكر اللّه في مسجدها آل به إلى روضة من رياض الجنة ، وسقى يوم القيامة من الحوض انتهى . وتقدم في الخصائص من مقصد المعجزات مزيد لذلك . وعند مسلم من حديث ابن عمر - رضى اللّه عنهما - ، أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « صلاة في مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام » . وقد اختلف العلماء في المراد بهذا الاستثناء على حسب اختلافهم في مكة والمدينة أيهما أفضل ؟ ومذهب سفيان بن عيينة والشافعي وأحمد - في أصح الروايتين عنه - وابن وهب ومطرف وابن حبيب - الثلاثة من المالكية - وحكاه الساجي عن عطاء بن أبي رباح ، والمكيين والكوفيين . وحكاه ابن عبد البر عن عمر وعلى وابن مسعود وأبى الدرداء وجابر وابن الزبير وقتادة ، وجماهير العلماء ، أن مكة أفضل من المدينة ، وأن مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة ، لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها مما تكون العبادة فيها مرجوحة . وقد حكى ابن عبد البر أنه روى عن مالك ما يدل على أن مكة أفضل الأرض كلها ، قال : ولكن المشهور عن أصحابه في مذهبه تفضيل المدينة . انتهى . وقال مالك : المدينة ومسجدها أفضل . ومما احتج به أصحابنا لتفضيل مكة : حديث عبد اللّه بن الحمراء أنه سمع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وهو واقف على راحلته يقول : « واللّه إنك لخير أرض اللّه وأحبها إلى اللّه ، ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت » « 1 » . قال الترمذي :
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه الترمذي ( 3925 ) في المناقب ، باب : ما جاء في فضل من رأى النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - وصحبه ، وابن ماجة ( 3108 ) في المناسك ، باب : فضل مكة ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح سنن الترمذي » .